ابن الجوزي

150

بستان الواعظين ورياض السامعين

فاذكر حالك أيها الغافل ، يوم تقلبك على المغتسل يد الغاسل ، قد زال عزك عنك ، وسلب مالك منك ، وأخرجت من بين أحبابك وجهزت لترابك ، وأسلمت إلى الدود ، وصرت رهنا بين اللحود ، وبكى عليك الباكون قليلا ، ثم نسوك دهرا طويلا ، فتغيرت منك المحاسن والمحلى ، وتحكم في أعضائك البلى ، وقطعت في الأكفان ، وسعى إليك الديدان ، فبلى منك اللسان ، وسالت الحدق كأنك لم تكن قط ممن رأى ولا نطق . وأنشدوا : فلو أنا إذا متنا تركنا * لكان الموت راحة كلّ حي ولكنا إذا متنا بعثنا * ونسأل بعدها عن كل شيء ابن آدم كأنك بالموت قد حل بساحتك ، وحال بينك وبين ما تريد ، وأنت في النزع والكرب الشديد ، لا والد يدفع عنك ولا وليد ، ولا عدة تنجيك ولا عديد ، ولا عشيرة تحميك ولا قصر مشيد . أليس ذلك نازل بك على كل حال ، أي وعزة الكبير المتعال ، فإنك الآن حين ينفعك البكاء والاستكانة ، قبل حلول الحسرة والندامة . وأنشدوا : يا من يموت ويسأل * عما يقول ويفعل إن الموكل بالنفو * س إذا أتى لا يمهل والنار منزل من عصى * والنار بئس المنزل [ 259 ] موعظة حسنة يا ابن آدم بادر إلى حسن العمل ، بينا أنت في فسحة ومهل ، وتب إلى مولاك من قبيح الخطايا والزلل ، قبل أن يقال فلان عليل ، أو مدنف ثقيل ، فهل إلى دوائه سبيل ، أو على طبيب من دليل ، فتدعى لك الأطباء ، ويجمع لك الدواء فلا يزيدك ذلك إلّا بلاء . وقد اجتمع عندك الإخوان والأحباء ، والأهل والأقرباء ، وكثر حولك البكاء ، ثم يقال حشرج ونفسه توشك أن تخرج ، وأنت تعاين الأمر العظيم بعد اللذة والنعيم ، وعدلت ببصرك عن القريب والحميم ، وحل بك القضاء ، وخرجت الروح من الأعضاء ، ثم عرج بها إلى السماء ، فيا لها من سعادة أو شقاء . وأنشدوا : فلو يكن شيء سوى الموت والبلى * وتفريق أعضاء ولحم مبدد